إليكَ نجئ يا وطني

الشاعر راضي عبد الجواد - السبت 28 / 03 / 2015 - 11:57 مساءً تصغير الخط تكبير الخط

إليكَ نجئ يا وطني
في تأبين الشهيد أسامة العيساوي أواخر 1982 بعد اجتياح بيروت

أنا لَوْ كُنْتُ مَهووساً
لما حاولتُ أن أدنو مِنَ الأجداثِ حتى أَحضرَ العُرسَ
فما هذي المقابرُ ساحةَ العرسانِ في ساعاتِ زفَّتِهِم
و لا وَطِئَت لِتَعزيةٍ أصابعُ رِجليَ القُدسَ
و لكنّي أَتَيتُ أُباركُ العرسَ الذي افتَتَحَتهُ زغرودةْ
لِعيساويَّةٍ بَعَثوا لها بعضَ الرمادِ بِقَلبِ قنّينة
و قالوا : ابنُكِ احتَضِنيهْ
فأَجهِشَ شارعُ الفُقَراءِ بالدمعِ
و غطّى القلبُ وجهَهُ باليَدَيْنِ و غاصَ بالدمعِ
وَ أَما أُمُّهُ احتَضَنَتهُ، زَفَّت عرسهُ لنساءِ حارتها:
أُسامةُ راكباً ظهرَ الشموسِ لأرضِهِ قد عادْ
فَهَيّا ابنينَ بِغرانيتِ هذا الصخرِ قاعةَ عرسه الأبدي
و لا تَنسينَ أن تَنثُرنَ في طرقاتِ موكِبِهِ
أغاني الحبِ و الإصرارِ و الوردِ
فها قد عادَ يُنشِدُ مع رفيقِ سلاحِهِ مارسيل
و آلافِ التوابيتِ الذينَ تجهّزوا للعرسِ في بيروت:
إليكَ نجئُ يا وطني، إليكَ نَجئ
*****
أما قد آنَ للخيّالِ أن يَتَرَجَّلَ الليلة؟
أما قد آنَ للملهوفِ أن يَبني
بصدرِ الأمِّ قَصرَ خلودِهِ الليلة؟
أما قد آنَ للمُبتَلِّ في بحرِ الدمِ الفائر
بأن يلبسْ
عقودَ الفُلِّ و الزنبقْ؟
أما قد آنَ للنصر الذي رفعتهُ أيدينا
بأن يهطِلْ
*****
لَقَد جَمَعوا على عَتَباتِ تلكَ الحربِ كلَّ مُشَعوِذٍ موثوقْ
و قالوا: كُن، يكونُ الأمرُ مَقضياً
فَرَشّوا الموتَ بالأطنانِ، لَم نرهَبْ
و أما جَفنُ بيروت الفلسطينيةِ الناعسْ
فَلَم يهتَزّْ
فما الحسناءُ هذِهِ قصرُ زانيةٍ من الدول التي تُدعى عُروبيةْ
و لكنْ هذهِ بيروتُ هاجَمَها اخطبوطٌ رَوَّعَ العشرينَ زانيةً
فَحَكَّت عينَها و تثاءبت لأقلَّ من لحظة
و ما لبثت أن استلَّت تَجلُّدَها المُوَشَّحَ بالتفاؤُلِ، بالقتال المرّْ
و ظلَّت طيلة التسعينَ يوماً، بل تظلُّ لآخرِ الدنيا
تُقاتلُ بالسيوفِ و باللسانِ و بالفؤادِ و دونما هُدنة
عصابة طغمة الفاشيست من عَجَمٍ و من عربٍ
إلى أن يُزهِرَ الأرزُ الذي رَوّاهُ آلافٌ من الشهداءْ
إلى أن يُزهرَ الزيتونُ في وَطَنٍ نُباغِتُهُ بِقُبلتِنا
و ليسَ بِجثَّةٍ يوميةٍ أخرى
أَجَلْ، سَيَحينُ حَتماً يومُنا الورديّ ْ
و هذا النُصبُ بِغرانيتِهِ الأبديّ ْ
سَيَشهَدُ أن ذاكَ اليومَ آتٍ، آت
فهيّا يا رِفاقَ الشمسِ نُبقي نُصبَ تذكارِ الشهيدِ مُعَلَّقاً بالشمسْ
بِأن نَبقى على دَربِِه
نُزغردُ مثلَ والدتِه
و نهتفُ للغد القادم:
إليكَ نجئُ يا وطني، إليكَ نَجئ

زيارات تعليقات
تقييمات : [0]
  
472 0
عرض الردود
شاركنا رأيك

أدخل ناتج جمع العددين 2 و 3
الشاعر راضي عبد الجواد